التحليل المكاني ودوره في تحسين جودة دراسات الأثر البيئي


الخميس 22 يناير 2026
التحليل المكاني ودوره في تحسين جودة دراسات الأثر البيئي

د. هبة عبد المطلب
دكتوراه في الهندسة البيئية 
خبيرة في الهندسة البيئية ونظم المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بعد
تعمل حاليًا استشارية بيئية وهيدرولوجية بشركة متخصصة بالرياض.

 

تُعد دراسات الأثر البيئي أحد أهم الأدوات التنظيمية لضمان التوازن بين التنمية الاقتصادية وحماية البيئة. غير أن فعالية هذه الدراسات تعتمد بدرجة كبيرة على جودة البيانات المستخدمة، وقدرتها على تمثيل الواقع البيئي بصورة دقيقة وشاملة. وهنا يبرز دور التحليل المكاني كعنصر محوري في تطوير محتوى ومخرجات دراسات الأثر البيئي.

التحليل المكاني هو عملية منهجية تهدف إلى فهم العلاقات المكانية بين الظواهر البيئية المختلفة، مثل التوزيع الجغرافي للموارد الطبيعية، المناطق الحساسة بيئيًا، مصادر التلوث، والبنية التحتية القائمة. وعند دمج هذا التحليل مع بيانات الاستشعار عن بعد، يصبح بالإمكان بناء صورة متكاملة للمنطقة محل الدراسة تتجاوز الوصف التقليدي إلى التفسير والتنبؤ.

أحد أوجه القصور الشائعة في بعض دراسات الأثر البيئي هو الاعتماد المفرط على المسوحات الميدانية المحدودة زمنيًا ومكانيًا. ورغم أهمية العمل الميداني، إلا أنه لا يكفي وحده لرصد الأنماط واسعة النطاق أو التغيرات التدريجية طويلة الأمد. التحليل المكاني يعالج هذا القصور من خلال توفير منظور شمولي يسمح بتقييم التأثيرات التراكمية، وليس فقط التأثيرات المباشرة للمشروع.

كما يسهم التحليل المكاني في تحسين عملية تقييم البدائل، وهي خطوة أساسية غالبًا ما تُختصر أو تُعرض بشكل شكلي. فمن خلال مقارنة سيناريوهات متعددة للمواقع أو التصاميم، يمكن تحديد الخيار الأقل تأثيرًا على البيئة، بناءً على مؤشرات مكانية واضحة مثل القرب من النظم البيئية الحساسة، أو التداخل مع استخدامات الأراضي القائمة.

إضافة إلى ذلك، يدعم التحليل المكاني عملية التواصل مع صُنّاع القرار وأصحاب المصلحة، حيث يمكن تحويل النتائج المعقدة إلى خرائط ومرئيات سهلة الفهم، تسهم في توضيح المخاطر والفرص البيئية بطريقة موضوعية وشفافة.

في ظل التحديات البيئية المتزايدة وتسارع وتيرة التنمية، لم يعد من الممكن الاكتفاء بأساليب التقييم التقليدية. إن تبني التحليل المكاني كجزء لا يتجزأ من دراسات الأثر البيئي يمثل خطوة ضرورية نحو تقييمات أكثر دقة، وقرارات أكثر وعيًا، وتنمية أكثر استدامة.