أحمد ردمان الشميري
صحفي
رئيس الشبكة العربية للصحافة العلمية
في الثاني من فبراير من كل عام ، يتوقف العالم ليصغي إلى نبض مياهه الراكدة والجارية، محتفياً بـ "اليوم العالمي للأراضي الرطبة" (World Wetlands Day). هذا التاريخ لم يعد مجرد رقم في رزنامة الأمم المتحدة، بل يعد جرس إنذار سنوي يُقرع لتذكيرنا بأن هذه المساحات المائية ليست مجرد مستنقعات منسية أو سبخات مهملة، بل هي شرايين حياة، وحصون طبيعية تقف بصمت في وجه أعتى تحديات عصرنا "التغير المناخي".
في هذا العام 2026، تتخذ الذكرى بُعداً أعمق تحت شعار "الأراضي الرطبة والمعارف التقليدية: الاحتفاء بالتراث الثقافي"، ليعيدنا إلى الجذور، حيث لم تكن الأراضي الرطبة عبر التاريخ مجرد مورد طبيعي، بل مهداً للحضارات، ومستودعاً لحكمة أجدادنا العظماء الذين أدركوا بفطرتهم أن استمرار الحياة مرهون بتناغم الإنسان مع مد الأرض وجزرها.
رئة الكوكب التي تختنق
إن المفهوم العلمي للأراضي الرطبة يتجاوز الصورة النمطية المحدودة ، فهي تشمل الطيف الواسع من النظم الإيكولوجية بدءاً من البحيرات والأنهار ومستودعات المياه الجوفية، مروراً بالأراضي العشبية والواحات والأنهار، وصولاً إلى أشجار المنجروف والشعاب المرجانية، وحتى تلك التي صنعها الإنسان كحقول الأرز والخزانات. هذه النظم مجتمعة تشكل "رئة الأرض الحقيقية"، ومخازن للكربون تفوق في كفاءتها أعتى الغابات الاستوائية ، إذ تخزن وحدها ضعف كمية الكربون التي تخزنها جميع غابات العالم.
وتبقى المفارقة المؤلمة في أن هذه الرئة تختنق، فالأراضي الرطبة تندثر بمعدل أسرع بثلاث مرات من الغابات. حيث تشير البيانات الصادمة إلى أننا فقدنا 35% من هذه الأراضي منذ عام 1970 وحتى 2025، وتعود الأسباب إلى الزحف العمراني، والتجفيف الجائر للزراعة، والتلوث ، وتصرفات الإنسان الغير مسؤولة في سباق محموم وغير مستدام نحو التنمية الغير مدروسة والتي قد تودي بنا إلى الهاوية.
عندما تُدمر الأراضي الرطبة ماذا يعني ؟! يعني ذلك أننا لا نفقد فقط حاجزاً طبيعياً ضد الفيضانات والأعاصير، بل نطلق العنان لكميات مهولة من الكربون الحبيس، لنسرع بأنفسنا وتيرة الاحتباس الحراري الذي نرى أننا نحاول محاربته.
التجربة الصينية والواقع الملموس
في خضم هذه الصورة القاتمة، تبرز تجارب ملهمة تستحق الوقوف عندها. أتذكر جيداً، خلال زيارتي لجمهورية الصين الشعبية ضمن برنامج (CIPCC 2023) زرنا عدد المحميات والأراضي الرطبة التي كانت قبل سنوات قليلة صحاري ورأينا كيف تحول "النمو الأخضر" من شعار إلى واقع ملموس. هناك وقفت وزملائي الصحفيين كشهود على معجزة بيئية ، فالصين التي تتربع على عرش الدول الأكثر امتلاكاً للأراضي الرطبة بقرابة سبعة ملايين هكتار، لا تكتفي بالحماية، بل تبتكر في الاستعادة.
لا تزال مشاهد محمية وبحيرة "ييايا" (Yeya) شمال غرب بكين حاضرة في ذاكرتي ، مساحة تمتد لـ 6873 هكتاراً، تضج بحياة أكثر من 500 نوع من النباتات النادرة و360 نوعاً من الطيور بعد أن كانت صحاري قاحلة. ما استوقفني ليس فقط الجمال الطبيعي، بل التناغم الدقيق بين الهندسة واستثمار التكنولوجيا في أنظمة البيئة ، هناك .. تعمل توربينات الرياح لتوليد الطاقة النظيفة جنباً إلى جنب مع نظم المعالجة البيئية، لتقدم نموذجاً حياً لكيفية تطويع التكنولوجيا لخدمة الطبيعة لا لقهرها. بوجهة نظري أن هذا الالتزام يتجلى في نجاح الصين في معالجة 53% من أراضيها الصحراوية القابلة للإصلاح، لتكون من أوائل الدول التي تقترب من تحقيق "النمو الصفري" في تدهور الأراضي قبل موعده الأممي في 2030.
ختاماً.. إن الحفاظ على الأراضي الرطبة ليس ترفاً بيئياً أو مسؤولية حكومية حصرية، بل هو واجب وجودي ومسؤولية جمعية تقع على عاتق الحكومات والمجتمع المدني وكل فرد منا. إن استعادة هذه الأراضي هي استعادة لتوازننا المفقود مع الطبيعة، وضمانة وحيدة لكي لا يتحول ميراثنا للأجيال القادمة إلى كوكب قاحل وذاكرة جافة.
حان الوقت لنصغي لحكمة الأجداد، ونحمي رئة الأرض قبل أن يتوقف نبض الأرض.