تقرير صادم: العالم يحرق "رئته المائية" ويخسر قرابة 39 تريليون دولار


الاثنين 2 فبراير 2026
تقرير صادم: العالم يحرق "رئته المائية" ويخسر قرابة 39 تريليون دولار

عُلا شعبان - سوريا 

صحفية 

عضو الشبكة العربية للصحافة العلمية

 

لم يعد الحفاظ على الأراضي الرطبة خياراً ترفيهياً، بل ضرورة لتأمين بقاء الحياة نفسها على هذا الكوكب". بهذه العبارة الصادمة بمثابة تشخيص طبي أخير يفتتح تقرير "واقع الأراضي الرطبة عالمياً 2025" (Global Wetland Outlook) صفحاته، واضعاً العالم أمام الحقيقة المرة "نحن ندمر خط دفاعنا الأول ضد الفناء".

التقرير الصادر مؤخراً عن أمانة اتفاقية "رامسار"، لا يكتفي بدق ناقوس الخطر، بل يكشف بلغة الأرقام القاسية عن نزيف مستمر؛ فقد ودع كوكبنا ما لا يقل عن 400 مليون هكتار من الأراضي الرطبة منذ عام 1970. ولتقريب الصورة أكثر ، الحديث هنا عن مساحة شاسعة اختفت تماماً، وأخذت معها تنوعاً بيولوجياً لا يعوض ، وتركت ربع ما تبقى من هذه الأراضي في تدهور بيئي مستمر.

الذهب السائل.. اقتصاديات الطبيعة المنسية

بعيداً عن الصورة النمطية للمستنقعات والبحيرات كمأوى للطيور والفطريات فحسب، يتحدث التقرير بلغة "المال والأعمال" جاء فيه أن القيمة الاقتصادية للخدمات التي تقدمها هذه النظم البيئية تقدر بنحو 39 تريليون دولار سنوياً.
نستطيع وصفها بالمصانع الطبيعية العملاقة التي تعمل بصمت لتنقية المياه، وتخزين الكربون بكفاءة تفوق الغابات الاستوائية، وحماية المدن من طوفان الفيضانات.

 

المنطقة العربية.. في قلب العاصفة

ورغم أن التقرير يركز في رصده الجغرافي على التسارع المخيف لفقدان الأراضي الرطبة في أمريكا اللاتينية وأفريقيا نتيجة الضغط السكاني وضعف الحوكمة، إلا أن القارئ لا يمكنه تجاهل الإسقاط المباشر على واقعنا العربي. فمن أهواز العراق التي تصارع العطش، إلى دلتا النيل المهددة بالغرق والملوحة، وصولاً إلى الواحات والسبخات في الجزيرة العربية وشمال أفريقيا؛ تقف منطقتنا في مقدمة المناطق "الساخنة".

إن التحذير الأممي من اختفاء خُمس ما تبقى من الأراضي الرطبة بحلول عام 2050، يعني بالنسبة لمنطقتنا العربية تهديداً وجودياً للأمن المائي والغذائي، خاصة أن هذه الأراضي تمثل شريان حياة للمجتمعات المحلية والمزارعين في بيئة تعاني أصلاً من الشح المائي.

 

الثلاثية المرعبة: الأسمنت، العطش، والمناخ

يشرح التقرير تفاصيل المأساة المستمرة بحق الطبيعة، محدداً الجناة بوضوح ، فالتغير العنيف في استخدامات الأراضي لصالح التوسع العمراني والزراعي، والتلوث الذي يحول المياه إلى سموم، والاستنزاف الجائر للمياه الذي يلتهم 90% من المخزون لأغراض الزراعة والصناعة. ويأتي التغير المناخي ليضاعف من شراسة هذه العوامل، عبر موجات الجفاف والفيضانات وارتفاع منسوب البحار.

 

خارطة طريق للخروج المأساة

لا يكتفي التقرير بالندب، بل يضع خارطة طريق عاجلة، تبدأ بنسف المفهوم القديم الذي ينظر للأراضي الرطبة كأراضٍ هامشية فائضة عن الحاجة. حيث يدعو التقرير الحكومات وصناع القرار إلى دمج هذه الأراضي في صلب التخطيط التنموي كبنية تحتية لا تقل أهمية عن الطرق والجسور.

الحل يكمن في "الاستثمار الذكي": تطوير حوافز اقتصادية للقطاع الخاص، وتحديث القوانين والتشريعات، والأهم من ذلك، إشراك المجتمعات المحلية - كحراس الأرض الأصليين - في معادلة الحماية.

إن الرسالة التي نخرج بها من قراءة "واقع الأراضي الرطبة 2025" واضحة ولا تقبل التأويل: الأراضي الرطبة ليست مجرد "مستنقعات" يجب ردمها لبناء ناطحات السحاب، بل هي "بنوك مركزية" للطبيعة، وإفلاسها يعني إفلاس مستقبلنا جميعاً.