إنعام النور
صحفية سودانية
عضو الشبكة العربية للصحافة العلمية
في مخيمات النزوح في السودان، لا تبدأ رحلة العلاج من عيادة أو صيدلية، بل من ذاكرة أمٍّ تحفظ أسماء النباتات كما تحفظ أسماء أطفالها. حين ترتفع حرارة طفل في منتصف الليل، تبحث الأم في محيطها عن أوراق مألوفة تغليها في إناءٍ صغير، محاولةً أن تُبقي الحياة متماسكة بوسائل بدائية في واقعٍ انهارت فيه المنظومة الصحية.
لم تكن النباتات الطبية يومًا مجرد معرفة تراثية، لكنها تحوّلت مع الحرب إلى ضرورة يومية، وإلى خط الدفاع الصحي الأخير في مواجهة الحمى، واضطرابات الهضم، والتهابات الجلد، وسوء التغذية بين الأطفال. في غياب الأدوية وارتفاع تكلفتها، أصبحت الكركدي والعرديب والحلبة وأوراق الأشجار المحلية بدائل علاجية تُستخدم بانتظام داخل الخيام، لا بدافع التمسك بالماضي، بل بدافع النجاة في حاضرٍ بلا مستشفيات.
تقود النساء هذا “النظام العلاجي الشعبي” بخبرة متوارثة، حيث تحلّ الجدّات محل الأطباء، وتتحول المعرفة المنزلية إلى شبكة رعاية صحية غير رسمية تُبقي المجتمعات على قيد الاحتمال. هذه العودة إلى الأرض تكشف قدرة المجتمعات على إعادة تنظيم بقائها حين تنهار المؤسسات، لكنها في الوقت نفسه تفضح حجم الفراغ الصحي الذي تركته الحرب، حيث يصبح العلاج بالأعشاب حلاً اضطراريًا يخفف الألم دون أن يعالج جذور الأمراض الحادة أو المزمنة.
غير أن المفارقة الأشد قسوة تكمن في أن هذا الاعتماد المكثف على النباتات الطبية، بوصفها الصيدلية الوحيدة المتاحة، بدأ يهدد وجودها نفسه. ففي بيئات النزوح الفقيرة بالغطاء النباتي، ومع توسع الطلب اليومي على الأعشاب وجمعها بكثافة دون تنظيم أو تجديد، تتراجع بعض الأنواع بصمت، كما تتراجع قدرة الطبيعة على التعافي. هكذا، يتحول خط الدفاع الصحي الأخير تدريجيًا إلى موردٍ مُستنزَف، ومعه يتآكل الأمل الذي علّقت عليه الأمهات بقاء أطفالهن.
في هذا السياق، لا يعود طبّ الأرض مجرد حكاية صمود، بل إنذارًا بيئيًا وصحيًا مزدوجًا: فحين تُجبَر المجتمعات على استهلاك مواردها العلاجية الطبيعية بوتيرة تفوق قدرتها على التجدد، فإنها لا تواجه المرض فقط، بل تخاطر بفقدان آخر ما تبقى لها من أدوات البقاء. وبقدر ما أنقذت هذه النباتات أجسادًا أنهكها النزوح، فإن الإفراط في استخدامها قد يقودها إلى حافة الندرة، أو حتى الانقراض الصامت.
وهكذا، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا: أمهات يحمين أطفالهن بأعشاب الأرض، بينما الأرض نفسها تحتاج إلى من يحميها. لأن اختفاء هذه النباتات لن يعني فقدان موردٍ بيئي فحسب، بل انهيار خط الدفاع الصحي الأخير لملايين النازحين، في بلدٍ لم يعد يملك ترف خسارة دوائه الأخير.