مبروكة خذير
مؤسِّسة منصة كوسموس ميديا - تونس
التنوع الحيوي ليس فكرة رومانسية عن الطبيعة، ولا لوحة جميلة نعلّقها في خطابات البيئة. هو ببساطة “البنية التشغيلية” للعالم الحي. أي خلل فيه لا يظهر فجأة، بل يتسلل بصمت، مثل خطأ صغير في نظام معقّد لا ينهار دفعة واحدة، بل يبدأ بالتباطؤ ثم يفقد التوازن تدريجيًا حتى يصبح الإصلاح مكلفًا أو مستحيلًا.
لفهم ذلك، لا بد من النظر إلى الطبيعة كمنظومة مترابطة لا كعناصر منفصلة. في الغابة، مثلاً، لا تعمل الأشجار وحدها. هناك فطريات في التربة تربط الجذور، تنقل العناصر الغذائية، وتسمح بتبادل غير مباشر بين نباتات لا “تتواصل” بالمعنى التقليدي، لكنها تتعاون وظيفيًا. هناك حشرات تلقيح، وطيور تنثر البذور، ومفترسات تضبط أعداد الفرائس. هذه ليست تفاصيل ثانوية، بل آليات توازن دقيقة. حذف عنصر واحد منها لا يعني فقدان “نوع”، بل تعطيل وظيفة.
في الواقع، أغلب الانهيارات البيئية لا تبدأ بكارثة واضحة، بل بتراكمات صغيرة: صيد جائر يقلل من نوع مفترس، فتزداد أعداد نوع آخر، فيضغط بدوره على النباتات، فتتغير التربة، ثم يتراجع الغطاء النباتي، ومعه تتغير الدورة المائية المحلية. في النهاية لا يعود النظام كما كان، حتى لو بقيت بعض عناصره موجودة.
هذا ما يجعل التنوع الحيوي أشبه بـ”شبكة أمان غير مرئية”. كلما كانت الشبكة أغنى، كلما كان النظام أكثر قدرة على امتصاص الصدمات. وكلما فُقدت عناصر منها، أصبح النظام هشًا، أقل مرونة، وأكثر عرضة للانهيار عند أول ضغط خارجي مثل الجفاف أو التغير المناخي.
من زاوية واقعية، الإنسان ليس خارج هذه الشبكة. الزراعة مثلًا تعتمد على التلقيح الطبيعي، وعلى خصوبة التربة التي يصنعها تنوع كائنات دقيقة لا تُرى. والصحة العامة مرتبطة أيضًا بالتنوع الحيوي: فكلما تقلصت النظم الطبيعية، زادت فرص ظهور أمراض جديدة نتيجة اختلال التوازن بين الكائنات. حتى الاقتصاد، في جزء منه، يعتمد على خدمات طبيعية مجانية: مياه نظيفة، هواء نقي، موارد متجددة.
ومع ذلك، يتعامل الإنسان الحديث أحيانًا مع الطبيعة بمنطق “الاستبدال السريع”: إزالة غابة مقابل توسعة عمرانية، أو تجفيف أرض رطبة مقابل مشروع اقتصادي. المشكلة أن هذه المعادلة تبدو رابحة على المدى القصير فقط، لكنها تخفي خسائر طويلة الأمد لا تُحسب في الميزانيات: فقدان استقرار المناخ المحلي، تراجع الإنتاج الزراعي، وارتفاع كلفة التكيف لاحقًا.
هناك مثال واقعي يختصر الفكرة: عندما تُستنزف التربة من التنوع الميكروبي بسبب الاستخدام المكثف للأسمدة والمبيدات، قد تبدو أكثر إنتاجية في البداية، لكنها تصبح مع الوقت أقل قدرة على الاحتفاظ بالماء والعناصر الغذائية، فتحتاج إلى مدخلات صناعية أكبر للحفاظ على نفس الإنتاج. أي أن النظام يبدأ بالاعتماد على “الدعم الخارجي” بدل قدرته الذاتية، وهذا مؤشر هشاشة لا قوة.
حين يجفّ الماء وتختنق الحياة: تونس،مصر واليمن كمرآة لانهيار الصمت البيئي
في تونس، كما في عدد من الدول العربية مثل المغرب والجزائر ومصر وبلدان المشرق، لم يعد التدهور البيئي مجرد احتمال علمي بل أصبح واقعًا ملموسًا يعيشه الناس يوميًا. فارتفاع درجات الحرارة وتواتر موجات الجفاف، إلى جانب تراجع الغطاء النباتي وتزايد الضغط على الموارد المائية، كلها مؤشرات على اختلال عميق في المنظومة البيئية. في الجنوب التونسي مثلًا، تتسارع وتيرة التصحر بشكل واضح، حيث تتحول أراضٍ كانت تُستعمل للزراعة أو الرعي إلى مساحات فقيرة مغطاة بالتربة الجافة، نتيجة الاستنزاف المفرط للمياه الجوفية وتغير المناخ. وفي السواحل، خاصة في بعض المناطق الحساسة، بدأت ظواهر تآكل الشواطئ وارتفاع مستوى البحر تفرض نفسها، ما يهدد النظم الساحلية ويؤثر مباشرة على التنوع البيولوجي البحري. وتظهر آثار ذلك في تقلص أعداد بعض الأنواع السمكية وتدهور الموائل الطبيعية، كما حدث في مناطق صناعية ملوثة مثل خليج قابس حيث أدت التلوثات الكيميائية إلى تراجع حاد في الحياة البحرية واختلال السلسلة البيئية. هذا التدهور لا يبقى في الطبيعة فقط، بل ينعكس على الإنسان عبر نقص المياه، تراجع الإنتاج الزراعي، ارتفاع كلفة الغذاء، وزيادة الهجرة الداخلية من المناطق الريفية نحو المدن. وهكذا يصبح الإنسان نفسه جزءًا من دائرة الخسارة، لأن انهيار التنوع الحيوي يعني في العمق فقدان “الخدمات الطبيعية” التي يعتمد عليها للبقاء دون أن يدفع مقابلها مباشرة.
في مصر، يظهر التدهور البيئي بشكل واضح في البحيرات الشمالية ونهر النيل، حيث أدى التلوث الصناعي والصرف غير المعالج إلى انهيار تدريجي في الأنظمة المائية. مثال ذلك بحيرة قارون في الفيوم التي كانت مصدرًا غنيًا بالثروة السمكية، لكنها شهدت خلال السنوات الأخيرة تراجعًا حادًا في التنوع الحيوي، حتى أصبحت المياه ملوثة بشكل كبير وانخفضت أعداد الأسماك إلى مستويات كارثية، ما دفع العديد من الصيادين إلى ترك مهنتهم والبحث عن أعمال أخرى بعد أن فقدوا مصدر رزقهم بالكامل. هذا الانهيار لم يكن بيئيًا فقط، بل اجتماعيًا واقتصاديًا أيضًا، حيث تغيرت حياة مجتمعات كاملة كانت تعتمد على البحيرة.
أما في اليمن، فإن الوضع يأخذ شكلًا أكثر حدة بسبب تداخل التغير المناخي مع الأزمات الإنسانية والصراعات. في العديد من المناطق الريفية، تتعرض مصادر المياه الجوفية للجفاف أو النضوب، حيث تحولت بعض الآبار القديمة إلى حفر جافة لا تعطي ماءً، مما أجبر السكان على قطع مسافات أطول يوميًا لجلب المياه، وغالبًا ما تقع هذه المسؤولية على النساء والأطفال. هذا النقص في المياه لا ينعكس فقط على الحياة اليومية، بل يمتد إلى الزراعة التي أصبحت مهددة بشكل مباشر بسبب موجات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة، ما يعني تراجع الإنتاج الغذائي وزيادة هشاشة الأمن الغذائي.
في الحالتين، سواء في مصر أو اليمن، يظهر نمط مشترك: تدهور الموارد الطبيعية لا يبقى محصورًا في البيئة، بل يتحول بسرعة إلى أزمة إنسانية تمسّ الرزق والصحة والاستقرار الاجتماعي. الطبيعة هنا لا “تنهار” وحدها، بل تسحب معها الإنسان تدريجيًا حين يُفقد التوازن بين الاستغلال والحماية.
العبرة هنا ليست في “حب الطبيعة” كموقف عاطفي، بل في إدراك أن التنوع الحيوي هو بنية استقرار. كلما كان أغنى، كان النظام أكثر استقلالية وقدرة على الاستمرار. وكلما فُقِد، أصبح الإنسان نفسه أكثر عرضة للانكشاف أمام الأزمات.
الدرس النهائي بسيط لكنه حاسم: الطبيعة لا تنهار دفعة واحدة، بل تفقد توازنها تدريجيًا. وما يبدو اليوم قابلًا للتعويض، قد يصبح غدًا غير قابل للاسترجاع.