هل تنقذ الجينوميات العالم من أزمة الغذاء؟!


الأحد 14 يونيو 2026
هل تنقذ الجينوميات العالم من أزمة الغذاء؟!

أ. ضياء بوكتيلة

باحث في علم الوراثة والجينوميات التطبيقية للأنظمة البيولوجية الزراعية والبيئية
جامعة المنستير (تونس)
----------------------


ماذا لو كان مستقبل الخبز الذي نأكله، والقمح الذي نزرعه، والتمر الذي ننتجه، لا يتحدد في الحقول فقط، بل داخل مختبرات تدرس الشفرة الوراثية للنباتات؟!

قد لا يكون هذا التحوّل واضحًا للوهلة الأولى، لكنه يمثل إحدى أهم الثورات العلمية في القرن الحادي والعشرين التي تجري اليوم بعيدًا عن الأضواء. فبينما ينشغل العالم بالذكاء الاصطناعي والروبوتات، تشهد الزراعة بدورها تحولًا عميقًا قد يغير مستقبل الأمن الغذائي للبشرية.

ويكتسب هذا التحول أهمية خاصة في وقت يواجه فيه العالم تحديات غير مسبوقة. فارتفاع درجات الحرارة، وتراجع الموارد المائية، وتزايد ملوحة التربة، وانتشار الآفات الزراعية، كلها عوامل تهدد قدرة الأنظمة الزراعية على توفير الغذاء. وفي المقابل، تشير تقديرات الأمم المتحدة إلى أن عدد سكان العالم سيقترب من عشرة مليارات نسمة خلال العقود القادمة، وهو ما يعني الحاجة إلى إنتاج المزيد من الغذاء بموارد أقل.

هنا يظهر سؤال جديد:
هل تستطيع العلوم الحديثة أن تساعد الزراعة على مواجهة هذا المستقبل؟

على امتداد قرون طويلة، اعتمد الإنسان على الملاحظة والتجربة لتحسين محاصيله. كان الفلاحون والباحثون يختارون النباتات الأفضل إنتاجًا أو الأكثر قدرة على التكيف، ثم يعيدون زراعتها جيلاً بعد جيل. وقد حققت هذه الطرق نجاحات كبيرة، لكنها تحتاج إلى سنوات طويلة، بينما تتغير الظروف المناخية اليوم بوتيرة أسرع من أي وقت مضى.

أما اليوم، فقد أصبح العلماء قادرين على قراءة الجينوم، أي الشفرة الوراثية الكاملة للنبات، وتحليل آلاف الجينات المسؤولة عن صفات مثل مقاومة الجفاف والحرارة والملوحة والأمراض وجودة الثمار.

ولعل الأهم من ذلك أن هذا الفهم العميق يتيح الانتقال من زراعة قائمة على الملاحظة والتجربة الميدانية إلى زراعة أكثر قدرة على التنبؤ. فبدل انتظار سنوات طويلة لاختبار أداء صنف جديد في ظروف بيئية مختلفة، يمكن للمؤشرات الوراثية أن توفر تقديرات مبكرة حول قدرته على التكيف مع الإجهادات البيئية، مثل الجفاف أو الملوحة أو ارتفاع درجات الحرارة. وهكذا تتحول عملية تحسين النباتات من مسار بطيء وتراكمي إلى مسار أكثر دقة وسرعة واستباقية، يعتمد على قراءة الإمكانات الكامنة داخل المادة الوراثية نفسها.

وقد بدأت ملامح هذا التحوّل تتجسّد فعليًا في عدة مناطق من العالم، حيث لم يعد تطوير الزراعة قائمًا فقط على التجربة الحقلية التقليدية، بل أصبح يعتمد بشكل متزايد على أدوات علم الجينوم والبيانات الوراثية. فقد تم العمل على تطوير محاصيل أكثر قدرة على تحمّل الجفاف والحرارة، إلى جانب تحسين أصناف قادرة على التكيّف مع الملوحة والظروف البيئية القاسية، في سياق استجابة مباشرة لتحديات التغير المناخي.

ومن بين التطبيقات البارزة لهذا التوجه، نلاحظ استخدام “الانتخاب بمساعدة الواسمات الجينية” في تحسين محاصيل متنوعة، ما سمح بتسريع اختيار الصفات المرغوبة مثل مقاومة الأمراض ورفع الإنتاجية دون المساس بالخصائص الأساسية للنبات. وقد شمل ذلك، على سبيل المثال، تحسين أصناف من القمح والأرز والذرة من حيث القدرة على التكيّف مع الإجهادات البيئية ورفع الاستقرار الإنتاجي، إلى جانب تطوير أصناف من الطماطم أكثر مقاومة للفيروسات، وتحسين البطاطا لمقاومة الآفات، فضلاً عن تعزيز أداء بعض محاصيل البقوليات تحت ظروف الإجهاد، ومحاصيل فاكهية وزيتية تم دعم قدرتها على التكيّف مع التقلبات المناخية.

وتقود هذا التوجه دول عديدة بمدارس علمية مختلفة، من بينها دول أوروبية مثل هولندا وفرنسا التي تستثمر بقوة في الزراعة الدقيقة وتحسين الأصناف، إلى جانب الولايات المتحدة التي تعتمد برامج واسعة في تحسين المحاصيل الكبرى، وكذلك الصين والهند والبرازيل التي تعتبر الجينوم الزراعي جزءًا من استراتيجياتها للأمن الغذائي والتوسع الإنتاجي.

أما في المنطقة العربية، حيث تشكل ندرة المياه والتصحر والتغير المناخي تحديات متزايدة، فإن الموارد الوراثية المحلية تكتسب أهمية استثنائية. فقد أظهرت الأبحاث الحديثة أن بعض الأصناف التقليدية من القمح، التي تكيفت عبر قرون مع البيئات الجافة، تحمل في جيناتها قدرات طبيعية عالية على الصمود أمام الإجهادات البيئية.

وفي هذا السياق، يمثل العمل العلمي في تونس مثالًا بارزًا، حيث تم مؤخرًا فكّ الشيفرة الجينية لصنفين محليين من القمح الصلب هما “محمودي” و“شيلّي”، ما أتاح تحديد خصائص وراثية مرتبطة بتحمل الجفاف وجودة الحبوب. كما تعرفت برامج بحثية في مصر على آليات جينية تسهم في تحسين مقاومة القمح للملوحة ونقص المياه في البيئات شبه الجافة. وتُظهر هذه التطورات أن التنوع الوراثي المحلي لم يعد مجرد تراث زراعي، بل أصبح موردًا علميًا استراتيجيًا لإنتاج محاصيل أكثر قدرة على التكيف مع تغير المناخ.

ولم تعد هذه الثورة تعتمد على علوم الجينوم وحدها، بل أصبحت تستفيد أيضًا من الذكاء الاصطناعي. فمن خلال تحليل ملايين البيانات الجينية والبيئية، تستطيع الخوارزميات الحديثة اكتشاف علاقات معقدة يصعب على الإنسان ملاحظتها، وبناء نماذج تتوقع أداء النباتات في ظروف مناخية مختلفة.

وهكذا، لم يعد مستقبل الزراعة يُرسم في الحقول فقط، بل أصبح يتشكل أيضًا داخل المختبرات ومراكز الحوسبة الحيوية ومنصات تحليل البيانات.

لكن هذا التطور يطرح أسئلة لا تقل أهمية عن الإنجازات العلمية نفسها. فمن يملك البيانات الوراثية للنباتات المحلية؟ وكيف يمكن حماية الموارد البيولوجية من الاستغلال غير العادل؟ وهل تمتلك الدول العربية البنية العلمية والتكنولوجية الكافية للمشاركة في هذه التحولات، أم أنها ستكتفي باستهلاك التقنيات التي يطورها الآخرون؟

لقد كان امتلاك الأرض والماء عبر التاريخ أساس قوة المجتمعات الزراعية. أما اليوم، فقد أصبحت المعرفة البيولوجية نفسها موردًا استراتيجيًا لا يقل أهمية. فالدول التي تفهم جيناتها وتحمي مواردها الوراثية وتستثمر في البحث العلمي من أجل تحسين المحاصيل وراثيًا، ستكون أكثر قدرة على حماية أمنها الغذائي وبناء مستقبلها.

وربما ينظر المؤرخون يومًا إلى هذه المرحلة باعتبارها اللحظة التي بدأ فيها الإنسان يفهم اللغة التي كتبت بها الطبيعة كائناتها الحية. لحظة انتقل فيها من تحسين النباتات بالملاحظة، إلى تحسينها بالمعرفة العميقة.

وقد تكون الثورة الزراعية القادمة أقل صخبًا من الثورات التكنولوجية الأخرى، لكنها ربما تكون الأكثر تأثيرًا في حياة البشر، لأنها تبدأ من الجين، وتنتهي على مائدة الغذاء.