أحمد ردمان الشميري
رئيس الشبكة العربية للصحافة العلمية
في كل مرة تختفي فيها غابة أو ينقرض كائن حي أو تتلوث بحيرة، لا تخسر الطبيعة جزءاً من جمالها فقط ، بل يخسر الإنسان شيئاً من مستقبله أيضاً.
ورغم أن العالم بات يتحدث كثيراً عن التغير المناخي والطاقة والانبعاثات الكربونية والتلوث ، إلا أن التنوع الحيوي لا يزال واحداً من أكثر الملفات البيئية تعرضاً للتجاهل ، رغم أنه يمثل العمود الفقري للحياة على هذا الكوكب.
التنوع الحيوي ليس مجرد مصطلح علمي يرد في التقارير الدولية ولا هو قضية تخص علماء البيئة وحدهم. هو ببساطة شبكة الحياة التي تربط الإنسان بالحيوان والنبات والبحر والهواء والتربة، وتضمن استمرار التوازن الذي نعيش في ظله منذ آلاف السنين.
عندما تختفي أنواع معينة من الكائنات أو تتدهور النظم البيئية، فإن التأثير لا يتوقف عند حدود الطبيعة ، بل يمتد إلى الغذاء والصحة والاقتصاد وحتى الاستقرار الاجتماعي. فالعالم اليوم يواجه تحديات متشابكة ، فمن التصحر وندرة المياه، إلى تراجع التنوع الزراعي وارتفاع مخاطر الاوبئة المرتبطة باختلال الأنظمة البيئية.
عربيا .. منطقتنا منطقتنا العربية، تبدو الصورة أكثر تعقيد.
فالمنطقة تواجه ضغوطا بيئية ومناخية متسارعة ، في وقت تتأثر فيه العديد من الدول بالنزاعات ، والتوسع العمراني غير المنظم، والاستنزاف المستمر للموارد الطبيعية. كما أن هناك أكثر من بيئة عربية بأكثر من بلد تتفرد بالشعاب المرجانية والمحميات أصبحت اليوم مهددة بالاندثار او تصبح في خبر كان.
المشكلة الحقيقية اليوم لا تكمن فقط في حجم التحديات ، بل في ضعف الوعي العام بهذه القضايا أيضا ، وقلة حضورها في الخطاب الإعلامي العربي.
وهنا يأتي دور الصحافة العلمية.
فالصحافة العلمية اليوم لم تعد رفاهية إعلامية أو مساحة نخبوية موجهة للمتخصصين فقط ، بل أصبحت ضرورة مجتمعية. نحن بحاجة إلى إعلام قادر على تبسيط المعرفة العلمية ، وربط الأرقام والبحوث بحياة الناس اليومية ، وتحويل القضايا البيئية من أخبار موسمية إلى وعي مستدام.
إن الحديث عن التنوع الحيوي يجب ألا يقتصر على المناسبات الدولية ، بل ينبغي أن يتحول إلى نقاش دائم حول علاقتنا بالطبيعة، وأنماط الاستهلاك ، والسياسات البيئية ، والتعليم ، وحتى شكل المدن التي نبنيها.
وفي عصر المعلومات المضللة، تصبح المسؤولية أكبر.
فبعض القضايا البيئية تُطرح أحيانا بصورة سطحية أو عاطفية أو غير دقيقة، بينما تحتاج المجتمعات إلى محتوى علمي موثوق يساعدها على الفهم واتخاذ القرار.
لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن البيئة لم تعد قضية مؤجلة، وأن الكوارث الطبيعية والأزمات الصحية والمناخية قادرة على إعادة تشكيل الاقتصاد والسياسة والحياة اليومية خلال فترة قصيرة. ولهذا فإن حماية التنوع الحيوي ليست دفاعاً عن الطبيعة فقط .. بل دفاع عن الإنسان نفسه.
وفي اليوم العالمي للتنوع الحيوي، ربما نحتاج إلى التوقف قليلا أمام سؤال هام ..
هل ما زلنا ننظر إلى الطبيعة كشريك في الحياة … أم كمورد مفتوح للاستهلاك فقط؟
والإجابة عن هذا السؤال قد تحدد شكل العالم الذي سيعيشه أبناؤنا في المستقبل.