الشبكة العربية للصحافة العلمية: نيويورك، الأمم المتحدة
في تحول جذري في الخطاب العالمي حول المياه، أطلق معهد جامعة الأمم المتحدة للمياه والبيئة والصحة (UNU-INWEH) اليوم تقريراً مفصلياً يعلن أن العالم لم يعد يواجه مجرد "أزمة مياه"، بل دخل رسمياً في حقبة "الإفلاس المائي العالمي" (Global Water Bankruptcy).
التقرير، الذي يحمل عنوان "الإفلاس المائي العالمي: العيش بما يتجاوز إمكاناتنا الهيدرولوجية في عصر ما بعد الأزمة" ، يجادل بأن المصطلحات التقليدية مثل "الإجهاد المائي" أو "أزمة المياه" لم تعد كافية لتوصيف الواقع الجديد. فبينما تشير "الأزمة" إلى حالة طارئة ومؤقتة يمكن التعافي منها، يشير "الإفلاس المائي" إلى حالة هيكلية دائمة لفشل النظام المائي، حيث تجاوز الاستهلاك البشري التدفقات المتجددة، واستنزف الاحتياطيات الاستراتيجية (المياه الجوفية والأنهار الجليدية) إلى حد تسبب في أضرار بيئية لا رجعة فيها.
أرقام صادمة تكشف حجم "الإفلاس" يستند التقرير إلى بيانات علمية دقيقة تظهر تآكل "رأس المال الطبيعي" للمياه:
- اختفاء الأراضي الرطبة: فقد العالم ما يقرب من 410 ملايين هكتار من الأراضي الرطبة الطبيعية خلال العقود الخمسة الماضية، وهي مساحة تعادل تقريباً مساحة الاتحاد الأوروبي، مما أفقدنا خدمات بيئية تقدر قيمتها بأكثر من 5.1 تريليون دولار أمريكي
- انحسار البحيرات: أكثر من نصف البحيرات الكبيرة في العالم شهدت انكماشاً وتراجعاً في مستويات المياه منذ أوائل التسعينيات.
- استنزاف المياه الجوفية: تظهر 70% من طبقات المياه الجوفية الرئيسية في العالم اتجاهات انخفاض طويلة الأجل. وقد أدى هذا الاستنزاف المفرط إلى هبوط الأرض في مساحة تزيد عن 6 ملايين كيلومتر مربع (حوالي 5% من مساحة اليابسة العالمية)، مهدداً المناطق التي يسكنها قرابة ملياري نسمة.
- ذوبان الجليد: فقد العالم أكثر من 30% من كتلة أنهاره الجليدية منذ عام 1970، مما يهدد "أبراج المياه" الطبيعية التي تعتمد عليها مئات الملايين.
من "إدارة الأزمة" إلى "إدارة الإفلاس" يؤكد المؤلف الرئيسي للتقرير، البروفيسور كافيه مدني، مدير معهد UNU-INWEH، أن العالم بحاجة إلى "إعادة ضبط" جوهرية لأجندة المياه. ويطرح التقرير مفهوم "إدارة الإفلاس" كبديل لإدارة الأزمات التقليدية. تتطلب هذه المقاربة الجديدة:
- الاعتراف بالحقيقة: الإقرار بأن العودة إلى الظروف المناخية والهيدرولوجية السابقة لم تعد ممكنة في العديد من الأحواض
- إيقاف النزيف: الأولوية القصوى لمنع المزيد من الأضرار غير القابلة للإصلاح في النظم البيئية المتبقية.
- إعادة هيكلة الديون المائية: مواءمة المطالب والاحتياجات البشرية مع القدرة الاستيعابية المتدهورة للنظام المائي، تماماً كما يتم إعادة هيكلة الديون في حالات الإفلاس المالي.
دعوة للتحرك قبل مؤتمرات 2026
يأتي هذا التقرير كصرخة تحذير استباقية قبل مؤتمر الأمم المتحدة للمياه لعام 2026 (الذي ستستضيفه الإمارات والسنغال) ، داعياً قادة العالم وصناع القرار إلى تبني هذا التشخيص الجديد. ويشدد التقرير على أن الاعتراف بالإفلاس المائي ليس استسلاماً، بل هو نقطة انطلاق ضرورية لبناء استراتيجيات تكيف واقعية وعادلة، تضمن الأمن المائي للفئات الأكثر ضعفاً التي تدفع غالباً الثمن الأبهظ لهذا الإفلاس.
عن التقرير:
صدر التقرير عن معهد جامعة الأمم المتحدة للمياه والبيئة والصحة (UNU-INWEH)، المعروف بـ "مؤسسة الأمم المتحدة الفكرية للمياه"، ومقره كندا. يستند التقرير إلى ورقة بحثية محكمة ستنشر في دورية Water Resources Management.
لتحميل التقرير