دعت الشبكة العربية للصحافة العلمية إلى تعزيز جاهزية المؤسسات الإعلامية والصحفيين لتغطية حرائق الغابات والكوارث الطبيعية، من خلال التدريب المستمر، واعتماد بروتوكولات السلامة المهنية، وضمان الوصول إلى المعلومات والبيانات العلمية الموثوقة، مؤكدة أن الإعلام العلمي المتخصص يمثل أحد أهم أدوات الحد من المخاطر وبناء الوعي المجتمعي في مواجهة الكوارث البيئية.
جاء ذلك خلال الندوة التي نظمتها الشبكة بعنوان «حرائق الغابات.. مقاربة علمية وإعلامية لإدارة المخاطر والتواصل مع الجمهور» على الواقع الافتراضي ، بمشاركة نخبة من الخبراء والباحثين والإعلاميين من الجزائر وتونس، وأداره رئيس الشبكة العربية للصحافة العلمية أحمد الشميري.
واستهلت الندوة بالوقوف دقيقة صمت حدادًا على ضحايا حرائق الغابات والحوادث الأخيرة في الجزائر وتونس، قبل أن تنطلق جلسات النقاش التي جمعت وزيرة البيئة والطاقة المتجددة الجزائرية السابقة فاطمة الزهراء زرواطي، والباحثة المتخصصة في علوم البيئة والتغير المناخي الدكتورة منال سخري، والصحفية البيئية التونسية مبروكة خدير، لمناقشة الأبعاد العلمية والبيئية والإعلامية لحرائق الغابات التي شهدتها منطقة البحر الأبيض المتوسط خلال الأسابيع الماضية.
وأكدت الدكتورة منال سخري أن تغير المناخ لا يُعد سببًا مباشرًا لاندلاع الحرائق، بل يهيئ الظروف المناخية الملائمة لانتشارها من خلال ارتفاع درجات الحرارة، والجفاف، وشدة الرياح، في حين يبقى العامل البشري المسؤول الرئيس عن غالبية الحرائق. وأوضحت أن المواسم أصبحت تبدأ في وقت أبكر من المعتاد، مما يستدعي الانتقال من سياسة الاستجابة بعد وقوع الكارثة إلى سياسات وقائية واستباقية تعتمد على الإدارة المستدامة للغابات، وأنظمة الإنذار المبكر، والرصد المستمر، والتوعية المجتمعية.
من جانبها، استعرضت فاطمة الزهراء زرواطي التجربة الجزائرية في إدارة مخاطر حرائق الغابات، مؤكدة أن نجاح السياسات البيئية يتطلب حلولًا تراعي خصوصية كل دولة، وتعزز الإدارة المستدامة للغابات، وتوظف التكنولوجيا في الكشف المبكر عن الحرائق، مع إشراك المجتمعات المحلية في جهود الوقاية والحفاظ على التنوع البيولوجي والموارد الطبيعية، باعتبارها عنصرًا رئيسيًا في منظومة إدارة المخاطر.
أما الصحفية البيئية مبروكة خدير، فقد نقلت للمشاركين تجربتها الميدانية في تغطية الحرائق التي شهدتها تونس، متحدثة عن التحديات التي تواجه الصحفيين أثناء العمل في البيئات الخطرة، والآثار البيئية والاقتصادية والنفسية التي تتركها الحرائق على المجتمعات المحلية، مؤكدة أن التغطية المهنية تبدأ من التحقق من المعلومات والوجود الميداني والاعتماد على المصادر العلمية والرسمية، بعيدًا عن الشائعات والمعلومات غير الموثقة.
وشهد الويبينار نقاشًا موسعًا حول الدور المتزايد لوسائل التواصل الاجتماعي أثناء الكوارث، حيث رأى المشاركون أنها أصبحت منصة مهمة للإنذار المبكر وتوثيق الأحداث، لكنها قد تتحول في الوقت نفسه إلى مصدر للمعلومات المضللة إذا غابت المهنية والتحقق من صحة المحتوى، الأمر الذي يضاعف مسؤولية المؤسسات الإعلامية والصحفيين في تقديم معلومات دقيقة وموثوقة للرأي العام.
كما ناقش المشاركون أهمية ضمان حق الوصول إلى المعلومات والبيانات العلمية خلال الأزمات، وتعزيز التعاون بين المؤسسات الإعلامية والجهات الحكومية والمراكز البحثية، بما يسهم في تحسين التواصل مع الجمهور ودعم متخذي القرار بالمعلومات الدقيقة في الوقت المناسب.
وفي محور سلامة الصحفيين، شدد المتحدثون على ضرورة إدراج التدريب على تغطية الكوارث الطبيعية ضمن برامج بناء القدرات الإعلامية، بما يشمل بروتوكولات السلامة، والإسعافات الأولية، وتقييم المخاطر، واستخدام المعدات المناسبة، لضمان سلامة الصحفيين أثناء أداء مهامهم الميدانية.
وأكد المشاركون أن مواجهة حرائق الغابات لم تعد قضية بيئية فحسب، بل أصبحت تحديًا يمس الأمن البيئي والاقتصادي والاجتماعي، ويستدعي استجابة شاملة تجمع بين السياسات الوقائية، والإدارة العلمية، والإعلام المهني، والمشاركة المجتمعية.
وفي ختام الويبينار، أكدت الشبكة العربية للصحافة العلمية أن المرحلة المقبلة تتطلب الاستثمار في إعداد صحفيين متخصصين في تغطية الكوارث والبيئة، وتوفير برامج تدريبية مستمرة على مدار العام، وتعزيز حق الوصول إلى المعلومات العلمية والبيانات المفتوحة، وتطوير التنسيق بين وسائل الإعلام والجهات الحكومية والمؤسسات العلمية، إلى جانب اعتماد بروتوكولات واضحة لسلامة الصحفيين، بما يسهم في بناء إعلام علمي قادر على دعم المجتمعات والحد من آثار الكوارث وتعزيز ثقافة الوقاية والاستعداد.