بينما تتسارع آثار تغير المناخ على العالم، تبدو المنطقة العربية في الخطوط الأمامية للعطش، في فلسطين ومصر واليمن، تختلف الجغرافيا والأنظمة، لكن الوجع واحد: الماء يختفي ببطء، ويترك وراءه أرضا عطشى وإنسانا في معركة يومية مع الجفاف.
فلسطين.. عطش تحت الاحتلال
رغم توقف الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، تبقى أزمة المياه حاضرة، يقف الأطفال في طوابير طويلة حاملين جالونات بلاستيكية فارغة للحصول على القليل من الماء، وغالباً ما تكون المياه التي تصل غير صالحة للشرب.
يعتمد أكثر من مليوني إنسان على الخزان الجوفي الساحلي الذي تدمر بفعل الحرب، فيما دمرت البنية التحتية المائية بشكل شبه كامل بالكامل، كما قيد الاحتلال قدرة فلسطين على تنفيذ مشاريع التكيّف المناخي، مثل تحلية مياه البحر وتجميع الأمطار وإعادة تأهيل الآبار.
وفي الضفة الغربية، ساعات تقنين المياه تزداد، والآبار تجف، فيما تُضخ المياه إلى المستوطنات الإسرائيلية القريبة بلا انقطاع، وفي وادي المطوي بمحافظة سلفيت، يصف المزارع معاذ رزق الله المشهد قائلاً "الأرض باتت عطشى. التغير المناخي وندرة المياه وتراجع الأمطار، إلى جانب سيطرة الاحتلال على الينابيع، جعل الزراعة في تدهور مستمر".
أكثر من 85% من المياه الجوفية والسطحية تخضع للسيطرة الإسرائيلية حيث يستهلك المستعمر الإسرائيلي من المياه ما يزيد 13 ضعف حصة المواطن الفلسطيني، في حين يسيطر الاحتلال على جميع الأحواض المائية الحوض المائي بالضفة الغربية الذي يحتوي على 750 مليون كوب في السنة وهو ما يهدد الأمن الغذائي وفقا لبيانات سلطة جودة البيئة الفلسطينية.
وفي قرى جنوب الخليل، يشتري الاهالي المياه بأسعار مضاعفة لأنهم غير متصلين بالشبكة الإسرائيلية، فيما تغيب شبكات المياه تماماً عن بعض التجمعات الريفية، وتقول سهيرة فراج، المديرة العامة لجمعية تنمية وإعلام المرأة "تام": "الناس في بعض القرى يبنون حمامات خارجية مشتركة بسبب انقطاع المياه لأيام طويلة. الاحتلال يقيّد كل أشكال التطوير المائي."
صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي تحاكي جفاف البحر الميت
شح المياه والمناخ يغير وجه الزراعة الفلسطينية
في دراسة حديثة نُشرت في مجلة Climate Change Economics (2023) بعنوان " تأثير التغير المناخي على إنتاجية المحاصيل في فلسطين" ، أظهرت النتائج أن ارتفاع الحرارة فوق 21 درجة مئوية يؤدي إلى انخفاض إنتاجية البندورة بشكل حاد، وأن الزيتون والعنب يعانيان بدورهما من تراجع الإنتاج بسبب الجفاف والحرارة.
وحذر الباحث البروفسور منقذ شتية من أن الأصناف الزراعية المحلية لم تعد قادرة على الصمود، إذ تتراجع إنتاجية البندورة والعنب والزيتون تحت ضغط الحرارة والجفاف. يقول: "شجرة الزيتون باتت تستهلك ما في ثمارها من ماء، فتذبل وتخسر قيمتها في السوق".
ورغم التحديات، تمضي فلسطين في خطتها الوطنية لمواجهة التغير المناخي عبر مشاريع للري الذكي وإعادة استخدام المياه المعالجة. لكن التنفيذ مرهون بالتمويل وحرية الحركة، وهما امتيازان لا يملكهما الفلسطينيون في ظل الاحتلال.
مصر.. نهر يختنق بين المناخ والناس
في قرية البليدة جنوب الجيزة، يقف المزارع هاني حسني أمام أرضه التي تحولت إلى بياض مالح بعد أن التهمت الملوحة التربة. الترع التي كانت تروي الأرض جفت أو امتلأت بالقمامة. يقول هاني بأسى: " الأرض مبقاش فيها محصول زي الأول… المية الجوفية فيها أملاح، والزرع تعب."
تعكس قصة هاني أزمة وطنية. فمصر تعيش على هامش مائي خطير، إذ تعتمد بنسبة 98% على مياه النيل، بينما لا تتجاوز الأمطار السنوية 1.3 مليار متر مكعب. ومع تضاعف عدد السكان من 26 مليونا عام 1959 إلى أكثر من 108 ملايين اليوم، تراجع نصيب الفرد إلى 500 متر مكعب فقط سنويا — نصف خط الفقر المائي العالمي
بين عامي 1901 و2016، ارتفع متوسط الحرارة في مصر بنحو 0.87 درجة مئوية، ما زاد من معدلات التبخر، خصوصا في دلتا النيل. وتشير دراسة حديثة في مجلة Water إلى أن التبخر قد يرتفع بنسبة 11% بحلول 2030، و19% بحلول 2070. ما يهدد الخزانات الجوفية ويزيد ملوحة الأراضي التي طاولت 40% من مساحة الدلتا
تسعى الدولة إلى مواجهة الأزمة عبر مشاريع معالجة المياه وإعادة استخدامها مثل محطة بحر البقر لمعالجة مياه الصرف الزراعي، وهي الأكبر في العالم، إلى جانب برامج الري الذكي بالتعاون مع منظمات دولية. ولكن على الأرض، يبقى الفلاح بين فكي معادلة قاسية: أرض تزداد عطشا، ونهر يختنق بحرارة المناخ وضغط البشر.
اليمن.. الحرب والعطش في خندق واحد
في بلد أنهكته الحرب منذ عقد، يتحول الماء إلى خط مواجهة جديد. الحرب دمرت الشبكات، وغاب الوقود اللازم لضخ المياه، وكثير من الأسر نزحت بحثا عن الماء أكثر من الأمان، ومن تعز، يقول الشاب عبد الله سلطان سعيد: "لم نر قطرة ماء في الخزانات لشهرين. نشرب الماء المالح ونمرض، والماء صار سلاح حرب."
ومن هذه الحالة اليمنية ، يوضح الدكتور مساعد عقلان، الباحث الأول في مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، أن " اليمن تعيش أزمة مياه كبيرة، إذ لا يتجاوز نصيب الفرد 80 مترا مكعبا سنويا، بينما خط الفقر المائي هو ألف متر مكعب، أكثر من نصف السكان يعانون من انعدام الأمن المائي، فيما يتراجع منسوب المياه الجوفية في بعض الأحواض بمعدل سبعة أمتار سنويا نتيجة الضخ المفرط، خصوصا لزراعة القات".
ويضيف عقلان أن تغير المناخ زاد من موجات الجفاف والأعاصير السنوية، وأثر بشكل مباشر على الزراعة والأمن الغذائي. بينما ساهمت الحرب في انهيار البنية التحتية وتراجع خدمات المياه بنسبة 30% مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب ويقول ": حين ينهار الماء، ينهار معه كل شيء: الغذاء، الصحة، والاستقرار".
أما عدن، المدينة الساحلية التي كانت يوما مركزا اقتصاديا مزدهرا، تتكرر السيول المدمرة سنويا ًوفي أغسطس / آب 2025، أغرقت الأمطار المدينة مجددا، فانهارت المنازل وتوقفت الخدمات، اختلاط مياه الصرف بالسيول فاقم انتشار الأوبئة مثل الكوليرا وحمى الضنك.
عطش يتجاوز الحرب والمناخ
توضح الدكتورة منى هندية، المتخصصة في هندسة المياه، أن المنطقة العربية بأكملها "تعيش عطشا هيكليا وليست ازمة مؤقته فالعجز المائي المزمن تفاقم بفعل التغير المناخي والنمو السكاني.
وتشير إلى أن أكثر من 19 دولة عربية تقع تحت خط الفقر المائي (أقل من 1000 متر مكعب للفرد سنويا)، وأن حصة الفرد العربي تراجعت بنسبة تزيد عن 60% خلال نصف قرن .
وتوضح هندية أن الزراعة تستهلك بين 60 و80% من المياه العذبة في الدول العربية، وغالبا تستخدم بأساليب تقليدية تعتمد على الغمر، مما يؤدي إلى هدر كميات ضخمة بالتبخر والتسرب. وتضيف أن "التحلية ليست الحل السحري"، فهي باهظة التكلفة وتزيد من ملوحة البيئة البحرية، ما يجعلها خيارا محدودا في المناطق الساحلية فقط.
وتبين هندية أن الحل يكمن في تبني الزراعة الذكية مناخيا واستخدام التقنيات الحديثة لترشيد المياه، ودمج الطاقة المتجددة في المضخات الزراعية، وإقامة منظومة تعاون عربي إقليمي لتبادل البيانات المائية، وتنسيق الجهود في إدارة الأحواض المشتركة، أما الدكتور عقلان، فيدعو إلى منظومة متكاملة تشمل إعادة تأهيل البنية التحتية، تقليل زراعة القات، وحصاد مياه الأمطار كخيار أول، مع اللجوء إلى التحلية في المناطق الساحلية.
مياه تُستخدم كسلاح وصراع عابر للحدود
في مناطق النزاع، تحولت المياه إلى أداة حصار وضغط، في انتهاك للقانون الدولي الإنساني. قطع المياه أو تلويثها يؤدي إلى تفشي الأمراض المرتبطة بسوء الصرف الصحي، وانهيار الزراعة والثروة الحيوانية، وتدمير النظم البيئية.
يقول عقلان إن تزايد الجفاف وتراجع الأمطار في سوريا واليمن والسودان فاقم النزاعات الداخلية وخلق دوامة من النزوح والعطش، فيما تؤكد هندية أن حماية الموارد المائية يجب أن تكون أولوية إنسانية، وأن تُدرج قضايا المياه ضمن مفاوضات السلام وإعادة الإعمار.
وتواجه الجهود الدولية لحماية المياه في مناطق النزاع عقبات سياسية وقانونية، إذ تُستخدم المياه كورقة ضغط بين الأطراف المتحاربة. كما يحد ضعف التمويل وصعوبة الوصول من قدرة المنظمات على إصلاح الشبكات المتضررة أو توثيق الانتهاكات.
ويرى عقلان وهندية أن الحل يتطلب آليات مراقبة ومساءلة قانونية أكثر فاعلية، وضمان أن تبقى المياه موردا إنسانياً لا يُستخدم في الصراع.
مستقبل مشترك على حافة العطش
في فلسطين، يقف الاحتلال بين الناس ومياههم. في مصر، يتهدد النيل بضغط المناخ والبشر. وفي اليمن، الحرب تلتهم آخر الآبار، وخلف هذا العطش الممتد من غزة إلى تعز، ومن دلتا النيل إلى وادي سلفيت، تنكشف أزمة أكبر: الماء يتحول إلى ساحة صراع جديدة في العالم العربي.
حين تتراجع الأمطار وتعلو درجات الحرارة، يصبح البقاء رهينا بعدالة قطرة وتعاون عابر للحدود. فالمستقبل، كما تقول الدكتورة منى هندية، "لن يكون لمن يملك الماء فقط، بل لمن يُحسن إدارته".